محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
270
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
أخلاقه ، وكم مِن حليم يُطاع ، ويُمتثل أمرُه ، وتفنى الأرواح والأموالُ في طاعته ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل هذه الصِّفَةِ الشريفة ، بل هو الذي بَلَغَ أعلى مراتبها ، واختصَّ بأقصى مناقبها ، وهي صفتُه في التوراة والفرقان ، قال الله تعالى : { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم } [ القلم : 4 ] إلى غير ذلك . وفي تفسير السَّيِّد في قوله تعالى حكايةً عن المنافقين في عيبهم له بأنَّهُ " أُذُن " قال السيد : أي : يُصدِّقُ كلَّ مَا سمِع ، وَيقْبَل قَوْلَ كُل أحد وقال في قوله تعالى : { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ } [ التوبة : 61 ] أي : نعم هو أُذُنٌ ، ولكن نِعْمَ الأذنُ ، إلى قوله في تفسير كونه خيرَ أذن أنَّهُ يُصدق بالله وًيقْبَلُ من المؤمنين المخلصين إلى قوله : { وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُم } [ التوبة : 61 ] أي : أظهر الإيمان منكم أيُّها المنافقون يقبل إيمَانَكُمُ الظاهرَ ، ولا يكشِف أسرارَكم ، فهو أذن كما قلتم ، لكنه أذُنُ خيرٍ لا أُذُنُ شرٍّ . فسلم لهم أنَّه أذن ، لكنه فسَّره بما هو مدح . انتهى . فلم يكن حِلْمُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وحُسْنُ خلقِهِ ، وجزاؤه السيئةَ بالحسنة ، حاملاً لخير أهله وأصحابه على الكذب عليه ، والعقوقِ له ، والتساهلِ في طاعته . وكذلك كلُّ حليم مع أصحابه وقرابته وجيرانِه ، فمن أينَ للسَّيِّد أنَّ المرجئَة لما اعتقدوا أنَّ اللهَ يغفِرُ لأهل الإسلام كرماً واسعاً ، وحلماً عظيماً ، ورحمة لهم ، واستغناءً عنهم ، فقد استهانوا بجلال الله ، وانهمكوا في معاصي الله ، وصار دأبهم الكذبَ على الله ورسوله ؟ ! ولقد رأيتُ مِن الصالحين مَنْ يزدادُ عملاً ونشاطاً على الرجاء ، ويزدادُ نفوراً على الخوف ، وهذا معروف عند أهل الذوق وأنشدوا في ذلك : لَهَا بوجْهِكَ نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ . . . وَمِنْ أيَاديكَ في أعقابِهَا حَادِي لَهَا أحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا . . . عَنِ المَنَامِ وتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ